فخر الدين الرازي

168

تفسير الرازي

هذا الذي يرى أنه محمد بن عبد الله ليس هو ذلك الرجل وإنما هو شيطان ، ولعل هذه المعجزات التي نشاهدها ليس لها حقائق ، بل هي تكون من باب الآراء الباطلة من ذلك الساحر ، وإذا حصل هذا التجويز بطل الكل . والله أعلم . قوله تعالى * ( وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ ) * اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة منكري النبوة ، وكان قد ثبت أن القول بالنبوة مفرع على القول بالتوحيد أتبعه تعالى بدلائل التوحيد . ولما كانت دلائل التوحيد منها سماوية ، ومنها أرضية ، بدأ منها بذكر الدلائل السماوية ، فقال : * ( ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين ) * قال الليث : البرج واحد من بروج الفلك ، والبروج جمع وهي اثنا عشر برجاً ، ونظيره قوله تعالى : * ( تبارك الذي جعل في السماء بروجاً ) * ( الفرقان : 61 ) وقال : * ( والسماء ذات البروج ) * ( البروج : 1 ) ووجه دلالتها على وجود الصانع المختار ، هو أن طبائع هذه البروج مختلفة على ما هو متفق عليه بين أرباب الأحكام ، وإذا كان الأمر كذلك فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة في الماهية والأبعاض المختلفة في الحقيقة ، وكل مركب فلا بد له من مركب يركب تلك الأجزاء والأبعاض بحسب الاختيار والحكمة ، فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار ، وهو المطلوب ، وأما قوله : * ( وزيناها للناظرين * وحفظناها من كل شيطان رجيم * إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ) * فقد استقصينا الكلام فيه في سورة الملك في تفسير قوله تعالى : * ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين ) * ( الملك : 5 ) فلا نعيد ههنا إلا القدر الذي لا بد منه قوله : * ( وزيناها ) * أي بالشمس والقمر والنجوم * ( للناظرين ) * أي للمعتبرين بها والمستدلين بها على توحيد صانعها وقوله : * ( وحفظناها من كل شيطان رجيم ) * . فإن قيل : ما معنى وحفظناها من كل شيطان رجيم ، والشيطان لا قدرة له على هدم السماء فأي حاجة إلى حفظ السماء منه . قلنا : لما منعه من القرب منها ، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان فحفظ الله السماء منهم كما قد